منشورات المركز

الثلاثاء, 15 تشرين1/أكتوير 2019 06:41

زواج السوريات من أتراك خارج المنظومة القانونية \ دراسة تحليلية

 

                              زواج السوريات من الأتراك خارج المنظومة القانونية التركية

                                                    " دراسة تحليلية  "

                                  ( مركز الكواكبي للعدالة الانتقالية وحقوق الانسان )

 

                                                             إعداد :

                                                      فاطمة عبد العزيز

                                               وفريق الهيئة النسائية بالمركز

                                    الاستشارة القانونية : تجمع المحامين السوريين

                                 المراجعة اللغوية والقانونية : المحامي حيدر هوري

                                 

 

الإطار القانوني

 

لا يقر القانون التركي تعدد الزوجات بل ولا يعترف به أو بآثاره القانونية إن حصل ، ويرتب عليه جزاء حيث فرضت الفقرة 1 من المادة  230 من قانون العقوبات التركي عقوبة الحبس لمدة ستة أشهر وحتى سنتين على الزوج الذي يجمع بين زوجتين وتشمل هذه العقوبة الزوجة الثانية أيضا .

كما فرضت الفقرة 6 من نفس المادة على الحبس من شهرين إلى ستة أشهر  على كل من ينظم عقد زواج ديني سرا أو علنا .

ولا يعتبر الزواج من امرأة ثانية زواجا بنظر القانون التركي ولا ينظر القانون للمرأة الثانية كزوجة وإنما كخليلة لا أكثر ..  فالمادة 143 من القانون المدني التركي لا تعترف بالزواج  الذي لا يتم إبرامه وتوثيقه في مكتب الزواج بالبلدية المختصة  حيث جاء فيها ( موظف دائرة الزواج هو من ينظم معاملة الزواج ويمنح دفتر العائلة دون الالتزام بالمراسم الإحتفائية الدينية ) ..  كما أن ( الاحتفاء الديني لا يتم دون إبراز دفتر العائلة ) .

 وبالتالي فالعقود التي تبرم خارج مكاتب توثيق الزواج بالبلديات ( عقود عرفية أو شرعية ) هي عقود لا تنتج آثارها القانونية  وبالتالي لا حقوق للزوجة الثانية ، فالزواج في تركيا هو زواج مدني لا يستمد أحكامه من الشرائع الدينية وإنما من القانون وإرادة المتعاقدين .

 

في الربع الأخير من العام 2012 ومع ارتفاع منسوب العنف ووتيرة القتل التي باشرها النظام السوري بحق السوريين الرافضين لسلطته ، بدأ التدفق الأكبر للاجئين السوريين إلى تركيا واستمر بوتائر متصاعدة طوال الأعوام التالية حتى تاريخ صدور قرار اغلاق المعابر البرية بين سوريا وتركيا بشكل رسمي في نيسان 2015 ومن ثم قرار فرض الفيزا على دخول السوريين إلى تركيا في 8 \ 1 \ 2016 حيث انخفضت وتيرة وصول السوريين لتركيا بشكل كبير جدا نظرا لصعوبة الحصول على الفيزا  .

 

خلال هذه السنوات ووفق آخر إحصائية تمت في شهر 11 من العام 2018  فصلها بيان صادر عن المديرية العامة للتعليم مدى الحياة  في وزارة التربية التركية ، فقد بلغ عدد السوريين المتواجدين في تركيـــا :

 \ 3,597,000 \  سوري وسورية  توزع هذا العدد في العديد من الولايات التركية  كالتالي : (1) .

  • إسطنبول في المرتبة الأولى حيث بلغ عددهم فيها \ 560,000 \  .
  • شانلي أورفا بالمرتبة الثانية \ 460,000 \ .
  • هاتاي \ 440,000 \  .
  • غازي عنتاب \ 413,500 \ .
  • أضنة \ 228,000\ .
  • مرسين \ 206,700 \ .
  • بورصة \ 161,000 \ .
  • ازمير \ 140,400 \ .
  • كلس حوالي \ 123,000 \ .
  • قونيا \ 103,000 \ .

معظم هؤلاء السوريين حصلوا على حق الحماية بموجب قانون الحماية التركي ويحصلون بموجبه على الرعاية الصحية والدوائية الكاملة مجانا وكذلك الحق في التعليم وفي العمل .

 

نساء يحتجن الحماية ..

 

بطبيعة الحال كان من ضمن تلك الملايين التي لجأت إلى تركيا التماسا للأمان والحماية عشرات الآلاف من الأسر التي فقدت معيلها أو فقدت أملاكها وكانت في حالة عوز ولم يكن ممكنا استيعاب تلك الأعداد في مخيمات اللجوء التي أعدتها السلطات التركية ، والتي استوعبت فقط ربع مليون لاجئ من أصل ما يقارب الأربعة ملايين وكان يتعين على هؤلاء الاعتماد على أنفسهم في تأمين معاشهم بحدود الكفاف .

مئات الآلاف من النسوة أرامل ومطلقات ونساء لا يعرفن مصير أزواجهن ونساء غدر بهن أزواجهن وركبوا البحر بحثا عن وطن بديل ، وجدن أنفسهن فجأة بلا سند أو معين معهن أطفالا تركوا نهبا للمجهول .. مع فرص عمل شبه معدومة وإن توفرت لا يوفر مرودها ما يسد الرمق  .

في حمأة هذا المآل الكارثي بدأت عروض الزواج تنهال على السوريات من الرجال الأتراك وجدت فيها معظم من خضن تلك التجربة فرصة ستر و حماية من مهانة العوز .

رضين بالزواج بموجب عقد شرعي لا يوفر لهن أية حماية قانونية ، ولا يسبغ على تلك العلاقة سمة الزوجية أو المشروعية القانونية  .. وكثيرا ما انتهت تلك ( الزيجات ) بعد أشهر من عقدها لأنها أصلا لم تكن بالنسبة للرجل - على الأقل - بدافع تكوين أسرة حقيقية ، بل كانت تحت وطأة دوافع غريزية لا أكثر .

الكثير من تلك النساء لم يكنّ يعرفن أن زواجهن شرعيا لا يعتد به هنا في تركيا وأن القانون التركي يحظر تعدد الزوجات وأن لا حقوق لهن ... بعضهن فقط كن يدركن تلك الحقيقة لكنهن قبلن نتائجها أمام ضيق الخيارات .

العديد من المؤسسات الحقوقية السورية في تركيا وفي مقدمتها " تجمع المحامين السوريين " نهضت بعبء تعريف السوريين بالقوانين التركية عبر الندوات والمحاضرات والبرامج الإذاعية والمطبوعات  في محاولة للحد من ظاهرة زواج السوريات من أتراك خارج اطار المنظومة القانونية التركية ومع ذلك لم يكن تأثير هذا النشاط فعالا بما يكفي لوقف الظاهرة ، فقد تغلبت حاجات الحماية العائلية المأمولة والعيش الكريم الموعود على كل الموجبات القانونية التي تعذرت مراعاتها لتكون نطاق حماية للمرأة وحقوقها .. يدخل في هذا السياق بلا ريب معوقات كثيرة تتعلق بعجز هؤلاء النسوة عن توفير الوثائق اللازمة لتوثيق زواجهن بشكل رسمي ممن يسمح القانون التركي الاقتران بهم وتوثيق زواجهم قانونيا  ( كوثائق وفاة الزوج وتسجيل الوفاة بالنفوس وبالتالي اكتسابها رسميا صفة أرملة ) أو عدم قدرتهن على ( توثيق الطلاق من أزواجهن في سوريا وتسجيل ذلك رسميا للحصول على ما يشعر أنها مطلقة ) ... الخ  . (2)

 

الاحصائيات لا ترصد الظاهرة

زواج السوريات من أتراك ليس وليد المرحلة الحالية  حيث أن مئات حالات الزواج بين سوريات وأتراك كانت تتم سنويا خلال سنوات ما قبل الصراع ومرد ذلك أصلا لوجود روابط اجتماعية وعائلية قديمة بين الكثير من العائلات السورية والتركية التي انقسمت بعد ترسيم الحدود فبقي جزء من العائلة في الأراضي التي صارت تركية وجزء آخر انتقل لداخل الحدود السورية المستجدة .. لكن بطبيعة الحال فإن التدفق الهائل للاجئين السوريين إلى تركيا أسهم إلى حد بعيد في ارتفاع عدد حالات الزواج الرسمي المسجل وفق القوانين التركية إلى أرقام ونسب كبيرة .. كما أسهم التقارب الثقافي والجغرافي في انعاش تلك الظاهرة خصوصا أن الرجل التركي يرى في المرأة السورية أنها أكثر مرونة ومهتمة أكثر ببيتها وتعتبر رعايتها لزوجها وأولادها في مقدمة أولويات حياتها ، وهي فضلا عن ذلك متقبلة لفكرة إمساك الزوج بزمام الأسرة بينما ترفض التركية ذلك وتتعامل بندية كاملة مع زوجها مع تهديدها الدائم له بالطلاق والاستحواذ على نصف املاكه . ( 3 )

فوفق احصائيات لمركز الإحصاء التركي شهد العام 2015  تسجيل \ 3569 \ حالة زواج أتراك من نساء سوريات بشكل قانوني  ،  بينما تضاعفت تلك النسبة تقريبا في العام 2016  حيث بلغ عدد حالات الزواج من سوريات \ 6495 \ حالة .

بينما انخفض العدد في العامين 2017 و 2018  حيث بلغ عدد الحالات \ 4074 \ حالة للعام 2017 بينما انخفضت أكثر الى \ 3611 \ حالة عام 2018  . ( 4 ) .

  فيما لا نجد – ومن الطبيعي أن لا نجد – أية إحصائية لحالات زواج السوريات من أتراك خارج إطار المنظومة القانونية التركية  باعتبار أن هذا الأمر لا يتم  بشكل علني لما يترتب عليه من جزاءات وعقوبات بحق المتعاقدين ومنظمي العقد .

 

المركز يطلق استبيان لمحاولة  تحليل الحالة

 

أطلق مركز الكواكبي للعدالة الانتقالية وحقوق الانسان منذ عدة أشهر استبيانا الكترونيا باللغة العربية موجها للنساء السوريات المتزوجات من رجال أتراك خارج نطاق القانون التركي أي لمن لم يقمن بتوثيق زواجهن بشكل رسمي إما لكونهن أرامل فعليا لكنهن متزوجات قانونيا من رجال سوريين مفقودين منذ سنوات وبالتالي لا يستطعن الحصول على بيان قيد مدني سوري انهن أرامل ، أو لكونهن أيضا مطلقات ولم يقمن أيضا بتوثيق طلاقهن من أزواجهن السوريين بشكل قانوني في سوريا وبالتالي أيضا لا يستطعن الحصول على بيان قيد مدني يشعر انهن مطلقات ، أو لأن الزوج التركي ما يزال متزوجا من تركية ولا يمكنه بطبيعة الحال توثيق زواجه من السورية باعتبار أن القانون التركي لا يسمح بتعدد الزوجات أصلا أو لأن الزوج التركي لا يريد توثيق الزواج من السورية بكل بساطة حتى لا تكتسب وضعا قانونيا يسمح لها بالمطالبة بحقوقها أو أن تقاسمه ماله .

مع الأسف لم يكن مستوى الاستجابة للاستبيان مرتفعا رغم أن المركز لم يكتف بإطلاقه الكترونيا وانما ساهمت مجموعات من النساء المتطوعات من أعضاء الهيئة النسائية بالمركز بالتواصل المباشر والميداني مع العديد من الحالات .. مع ذلك فإن مجموع ماورد ميدانيا والكترونيا من استمارات بلغ \ 160 \ حالة تنوع مصدرها بين مدن تركية عدة وهو عدد يسمح لنا نسبيا بتكوين تصور معقول عن الحالة وأسبابها .

 

وقد اشتملت الاستمارة على مجموعة من الأسئلة تركز أهمها على :

  • عمر السيدة السورية .
  • المؤهل العلمي للمرأة .
  • معرفتها أو جهلها بعدم قانونية هذا الزواج
  • وضع المرأة قبل زواجها من تركي ( عازبة – أرملة – مطلقة ) .

 

وبتحليل مجموع أوراق الاستبيان الواردة للمركز يمكن لنا الوصول للخلاصات التالية  :

 

أولا : المتوسط العمري للزوجة 

  • من 18 – 25 سنة ...............  3 حالات            = ................... 1.8  %       
  • من 25 – 35 سنة ...............  89 حالة            = ................... 55.6 %              
  • من 35 – 50 سنة ...............  68  حالة           = ................... 42.5 %               

 

ثانيا : المؤهل العلمي  :

  • لم تحصل على ثانوية عامة ................ 109  حالة   = ................. 68  %
  • تحمل ثانوية عامة فقط ..................... 45    حالة   = ................. 28 %
  • شهادة متوسطة أو جامعية .................. 6 حالات = ................. 3.8 %

 

 

ثالثا : الوضع الاجتماعي قبل الزواج من تركي خارج المنظومة القانونية :

  • عازبــــة ..........................  0  حالة       =  .........................  0 %
  • أرملـــــة ..........................  57 حالة      =  .........................  6 %
  • مطلقــــة ..........................  103 حالة     = ......................... 64.30   %

رابعا : العلم \ الجهل بعدم قانونية هذا الزواج  :

  • يعلمن ..................... 28 حالة = .................. 17.5  %
  • لا يعلمن .................. 132 حالة = .................. 82.5  %

 

خامسا : سبب القبول بهذا الزواج  :

  • الفقر والحاجة لمعيل .............  103 حالة  = ............... 64.38  %
  • الرغبة بوجود شريك ............ 57 حالة     =................ 35.62 %  

 

 

 

وبقراءة تلك المؤشرات يمكننا الخروج بخلاصات تمكننا من القول أن متوسط أعمار السيدات السوريات المتزوجات من أتراك هو بحدود 37 سنة  وأن حوالي 60% منهن لا يحملن شهادة علمية وأن أكثر من 55% منهن مطلقات من أزواج سوريين وأن 75 % منهن لا يعلمن أن هذا الزواج غير معترف به بموجب القانون التركي وهو لا يحمي حقوقهن ولا يمنحهن مركزا قانونيا كزوجات مفترضين أن القانون هنا مشابه لقانون بلدهم الذي يجيز التعدد ، أو أنهن كسوريات ينطبق عليهن قانون بلدهن (!) .. وأخيرا فإن نسبة تقارب ثلثي من تم استطلاعهن على الأقل أجبن أن الحاجة لمعيل نتيجة الفقر كان الدافع للقبول بهذا الزواج .

بطبيعة الحال ليست تلك دراسة إحصائية لأنه يتعذر انجاز مثل تلك الدراسة لغياب الإحصاءات الدقيقة سواء لدى السلطات التركية أو المؤسسات الإحصائية التابعة لها باعتبار أن هذا الزواج أصلا يتم بمجرد اتفاق شفهي غالبا أو مكتوب أحيانا بين رجل وامرأة بحضور شاهدين ورجل دين .

اذا هي محاولة متواضعة لإنجاز دراسة تحليلية للظاهرة وأسبابها لتسليط الضوء عليها ومحاولة الاشتغال على رفع وتيرة العمل بمسألة التوعية القانونية بمخاطر هذا الزواج لكونه ليس زواجا بالمعنى القانوني يوفر بيئة نفسية واقتصادية وقانونية آمنة للزوجة التي هي الحلقة الأضعف في تلك العلاقة .

 

وفي الخلاصة والتوصيات  :

نتوجه للحكومة التركية أولا ولمنظمات المجتمع المدني التركية والسورية أيضا بالتوصيات التالية  :

  • تكثيف التوعية القانونية حول مسألة الزواج خارج النطاق القانوني في تركيا وكذلك زواج القاصرات  من خلال مديريات الهجرة بالولايات ومنظمة الهلال الأحمر أيضا وذلك بحكم تماسهم الدائم والمباشر مع اللاجئين السوريين عبر توزيع بروشورات توعوية حول هذا الأمر وعبر رسائل نصية ترسل لهواتفهم باللغتين العربية والتركية .

 

  • التعاون بين منظمات المجتمع المدني السورية والتركية والبلديات ومديريات الهجرة بالولايات والهلال الأحمر التركي وتنظيم ملتقيات مباشرة وواسعة المشاركة للتوعية بهذا الأمر ، وفي هذا السياق فإن مركز الكواكبي وكذلك تجمع المحامين السوريين وهما منظمتان سوريتان مرخصتان في تركيا يعلنان عن استعدادهما لكل أشكال التعاون في هذا السياق .

 

  • اعتماد الوثائق الصادرة عن المجالس المحلية السورية في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام والقبول بالقرارات القضائية المتعلقة على الأقل بالأحوال المدنية والشخصية الصادرة عن المحاكم في تلك المناطق والتي تلتزم بتطبيق قانون الدولة السورية المعتمد لهذا الشأن وذلك بعد ترجمتها وقبولها لدى مؤسسات الدولة التركية .

 

  • العمل على دعم المشاريع الصغيرة للنساء لتمكينهن اقتصاديا عبر الجمعيات السورية المرخصة في تركيا .

 

-----------------------------   انتهـــــــــــــــــــــــــــى   ----------------------------- 

 

المصادر المساعدة :

  • بيان المديرية العامة للتعليم مدى الحياة في وزارة التربية التركية .
  • تصريح خاص للمركز من مدير تجمع المحامين السوريين .
  • الباحثة سلمى دمشقية - موقع تركيا بالعربي 3 \ ك2 \ 2019 .
  • مركز الإحصاء التركي .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

قراءة 608 مرات آخر تعديل على الثلاثاء, 15 تشرين1/أكتوير 2019 07:03